الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

170

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الرسول فيها هو المتلقي ، وبمرور الزمن له تستطيع يد التحريف والتزوير أن تمتد إليه بمقتضى قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فالله هو الذي يتكفل حمايته وحراسته . لذا فإن هذا الماء النقي الصافي الوحي الإلهي القويم لم تناله يد التحريف والتبديل منذ عصر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وحتى نهاية العالم . الآية التي تليها ترد على واحدة من ذرائع المعارضين وحججهم ، إذ كانوا يقولون : لماذا لم ينزل القرآن دفعة واحدة على الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولماذا كان نزوله تدريجيا ؟ كما تشير إلى ذلك الآية ( 32 ) من سورة الفرقان التي تقول : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ، كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا فيقول الله في جواب هؤلاء : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ( 1 ) حتى يدخل القلوب والأفكار ويترجم عمليا بشكل كامل . ومن أجل التأكيد أكثر تبين الآية - بشكل قاطع - أن جميع هذا القرآن أنزلناه نحن : ونزلناه تنزيلا . إن القرآن كتاب السماء إلى الأرض ، وهو أساس الإسلام ودليل لجميع البشر ، والقاعدة المتينة لجميع الشرائع القانونية والاجتماعية والسياسية والعبادية لدنيا المسلمين ، لذلك فإن شبهة هؤلاء في عدم نزوله دفعة واحدة على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجاب عليها من خلال النقاط الآتية : أولا : بالرغم من أن القرآن هو كتاب ، إلا أنه ليس ككتب الإنسان المؤلفة حيث يجلس المؤلف ويفكر ويكتب موضوعا ، ثم ينظم فصول الكتاب وأبوابه لينتهي من تحرير الكتاب ، بل القرآن له ارتباط دقيق بعصره ، أي ارتباط ب‍ ( 23 ) سنة ، هي عصر نبوة نبي الإسلام بكل ما كانت تتمخض به من حوادث وقضايا .

--> 1 - مجئ كلمة ( قرآن ) منصوبة في الآية أعلاه يفسره المفسرين بأنه مفعول لفعل مقدر تقديره ( فرقناه ) ، وبذلك تصبح الجملة هكذا : ( وفرقناه قرآنا ) .